القرطبي

33

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

ما تصنع ؟ قال : أبني بيتا يمشي على الماء ، فعجبوا من قوله وسخروا منه . قال ابن عباس : ولم يكن في الأرض قبل الطوفان نهر ولا بحر ، فلذلك سخروا منه ، ومياه البحار هي بقية الطوفان . ( قال إن تسخروا منا ) أي من فعلنا اليوم عند بناء السفينة . ( فإنا نسخر منكم ) غدا عند الغرق . والمراد بالسخرية هنا الاستجهال ، ومعناه إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلونا . قوله تعالى : ( فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ) تهديد ، و " من " متصلة ب " سوف تعلمون " و " تعلمون " هنا من باب التعدية إلى مفعول ، أي فسوف تعلمون الذي يأتيه العذاب . ويجوز أن تكون " من " استفهامية ، أي أينا يأتيه العذاب ؟ . وقيل : " من " في موضع رفع بالابتداء و " يأتيه " الخبر ، و " يخزيه " صفة ل " عذاب " . وحكى الكسائي : أن أناسا من أهل الحجاز يقولون : سو تعلمون ، وقال من قال : " ستعلمون " أسقط الواو والفاء جميعا . وحكى الكوفيون : سف ( 1 ) تعلمون ، ولا يعرف البصريون إلا سوف تفعل ، وستفعل لغتان ليست إحداهما من الأخرى ( ويحل عليه ) أي يجب عليه وينزل به . ( عذاب مقيم ) أي دائم ، يريد عذاب الآخرة . قوله تعالى : ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ) اختلف في التنور على أقوال سبعة : الأول - أنه وجه الأرض ، والعرب تسمي وجه الأرض تنورا ، قاله ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة ، وذلك أنه قيل له : إذا رأيت الماء على وجه الأرض فاركب أنت ومن معك . الثاني - أنه تنور الخبز الذي يخبز فيه ، وكان تنورا من حجارة ، وكان لحواء حتى صار لنوح ، فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك . وأنبع الله الماء من التنور ، فعلمت به امرأته فقالت : يا نوح فار الماء من التنور ، فقال : جاء وعد ربي حقا . وهذا قول الحسن ، وقال مجاهد وعطية عن ابن عباس . الثالث - أنه

--> ( 1 ) ورد في اللسان : قد قالوا سو يكون فحذفوا اللام ، وسا يكون فحذفوا اللام وأبدلوا العين طلب الخفة ، وسف يكون فحذفوا العين .